عن شداد بن أوس رضي الله عنه عن النبي صلي الله عليه وسلم : سيد الاستغفار أن يقول : (اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت ، خلقتني وأنا عبدك ، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت ، أعوذ بك من شر ما صنعت ، أبوء لك بنعمتك علىّ ، وأبوء بذنبي ، فاغفر لي ، فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ) . قال : ومن قالها من النهار موقنًا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة ، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة .
وهذا الحديث هو أفضل ما يستعمل من ألفاظ الاستغفار ولهذا وصفه النبي صلي الله عليه وسلم بأنه سيد الاستغفار وترجم له البخاري بعنوان أفضل الاستغفار ، وكأنه أشار إلى أنه المراد بالسيادة الأفضلية ومعناها الأفضل نفعًا لمستعمله .
ولما كان هذا الدعاء جامعًا لمعاني التوبة كلها استعير له اسم السيد وهو في الأصل الرئيس الذي يُقصد في الحوائج ، ويرجع إليه في الأمور .
وقد وردت النصوص الشرعية بالأمر بالاستغفار والحث عليه وبيان فائدته للعبد في الدنيا والآخرة قال تعالى : ( وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ(133) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ(134)وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ(135) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَاالْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) [آل عمران 133- 136]
وفي هذه الآيات حث على المسارعة إلى مغفرة الله تعالى وإلى جنته ، والأخذ بأسباب ذلك من إحسان في ا لعمل وإنفاق في الطاعة وعفو عن الناس وخوف من الله واستغفار للذنوب وعدم الإصرار عليها .
وقد أخرج أحمد والأربعة وابن حبان وصححه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال : حدثني أبو بكر وصدق أبو بكر قال : سمعت النبي صلي الله عليه وسلم يقول : ما من رجل يذنب ذنبًا ثم يقوم فيتطهر فيحسن الطهور ثم يستغفر الله عز وجل إلا غفر له ثم تلا هذه الآية ( وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً )
وقال تعالى على لسان نبيه نوح عليه السلام ( فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا(10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا(11) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا ) [نوح :
فقد أخبر نوح قومه وأعلمهم أن الاستغفار من أعظم أسباب الرزق والرخاء ، وأنه يجمع لهم مع الحظ الوافر في الآخرة الخصب والغني في الدنيا .
وفي الأثر عن الحسن أنه جاءه رجل يشكو إليه الجدب وجفاف بستانه فأمره بالاستغفار ، وشكى إليه آخر عدم الولد فأمره بالاستغفار ، ثم تلا هذه الآيات .
والأحاديث في الحث على الاستغفار وبيان فضله كثيرة ففي الصحيح عن أبي هريرة قال : سمعت رسول الله صلي الله عليه وسلم يقول : (والله إني لأستغفر الله وأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرة ) وفي رواية (إنا كنا نعد لرسول الله في المجلس : رب اغفر لي وتب على إنك أنت التواب الغفور مائة مرة) .
وفي الصحيحين عن عبد الله بن عمرو عن أبي بكر الصديق أنه قال لرسول الله صلي الله عليه وسلم : علمني دعاءً أدعو به في صلاتي فقال : قل (اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وأرحمني إنك أنت الغفور الرحيم ) .
وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم قال والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم ) وفي الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلي الله عليه وسلم فيما يحكى عن ربه عز وجل قال : أذنب عبد ذنبًا فقال : اللهم اغفر لي ذنبي . فقال تبارك وتعالى : أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب . ثم عاد فأذنب فقال : أي رب إغفر لي ذنبي . فقال تبارك وتعالى : عبدي أذنب ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب . ثم عاد فأذنب فقال : رب اغفر لي ذنبي . فقال تبارك وتعالى : أذنب عبدي ذنبًا فعلم أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ بالذنب . اعمل ما شئت فقد غفرت لك . هذا لفظ مسلم ومعناه : ما دمت تذنب ثم تتوب غفرت لك .
قسّام صقر