بسم الله الرحمن الرحيم
• عَمْرُو بْنُ العَاصِ بْنِ وَائِل، أَبُو عَبْدِاللهِ القُرَشِيُّ السَّهْمِيُّ، الإِمَامُ، الْمُجَاهِدُ، مَنْ يُضْرَبُ بِهِ الْمَثَلُ فِي الدَّهَاءِ وَالفِطْنَةِ، وَالْحَزْمِ وَالفِرَاسَةِ، وَالفُرُوسِيَّةِ وَالشَّجَاعَةِ. كَانَ قَصِيراً، يَخْضبُ بِالسَّوَادِ.
• وَكَانَ شَاعِراً حَسَنَ الشِّعْرِ، خَطِيْباً فَصِيْحاً مُتَكَلِّماً، حَتَّى كَانَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ إِذَا رَأَى رَجُلاً يَتَلَجْلَجُ فِي كَلاَمِهِ، قَالَ مُتَعَجِّباً: خَالِقُ هَذَا وَخَالِقُ عَمْرِو بْنِ العَاصِ وَاحِدٌ! [ابن عساكر].
• قَالَ قَبِيْصَةُ بْنُ جَابِرٍ: صَحِبْتُ عَمْرَو بْنَ العَاصِ فَمَا رَأَيْتُ رَجُلاً أَنْصَعَ طَرَفاً مِنْهُ وَلاَ أَكْرَمَ جَلِيْساً وَلاَ أَشْبَهَ سَرِيْرَةً بِعَلاَنِيَتِهِ مِنْهُ. [رواه الفسوي وابن عساكر]. وَكَانَ يَسْرُدُ الصَّوْمَ، وَيَكْتَفِي بِالسَّحُورِ.
• بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنَ الْخَنْدَقِ، رَأَى أَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ يَعْلُو، وَأَنَّهُ سَيَظْهَرُ، فَقَالَ لأَصْحَابِهِ: أَرَى أَنْ نَذْهَبَ إِلَى النَّجَاشِيِّ، وَنَكُونَ عِنْدَهُ حَتَّى نَرَى مَا يَكُونُ مِنْ أَمْرِ مُحَمَّدٍ () مَعَ النَّاسِ. فَخَرَجَ وَمَعَهُ هَدَايَا إِلَى النَّجَاشِيِّ، فَلَمَّا كَانَ عِنْدَهُ، رَأَى عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ مَبْعُوثَ النَّبِيِّ إِلَى النَّجَاشِيِّ عِنْدَهُ، فَطَلَبَ ابْنُ العَاصِ مِنَ النَّجَاشِيٍّ قَتْلَهُ، فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ، وَقَالَ: سَأَلْتَنِي أَنْ أَقْتُلَ رَسُولَ رَجُلٍ يَأْتِيْهِ النَّامُوسُ الَّذِي كَانَ يَأْتِي مُوسَى؟ فَقَالَ ابْنُ العَاصِ: وَإِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَاللهِ إِنِّي لَكَ نَاصِحٌ فَاتَّبِعْهُ، فَوَاللهِ لَيَظْهَرَنَّ كَمَا ظَهَرَ مُوسَى وَجُنُودُهُ! فَقَالُ ابْنُ العَاصِ: أَيُّهَا الْمَلِكُ، فَبَايعْنِي أَنْتَ عَلَى الإِسْلاَمِ، فَقَالَ: نَعَمْ. فَبَايَعَهُ. وَانْطَلَقَ ابْنُ العَاصِ عَلَى رَاحِلَتِهِ إِلَى مَكَّةَ، فَلَقِيَ خَالِدَ بْنَ الوَلِيْدِ، فَقَالَ لَهُ: إِلَى أَيْنَ يَا أَبا سُلَيْمَانَ؟ فَقَالَ: أَذْهَبُ وَاللهِ أُسْلِمُ، إِنَّهُ وَاللهِ قَدْ اسْتَقَامَ الْمِيْسَمُ، إِنَّ الرَّجُلَ لَنَبِيٌّ مَا أَشُكُّ فِيْهِ، فَقَالَ عَمْرٌو: وَأَنَا وَاللهِ. فَقَدِمَا الْمَدِيْنَةَ وَمَعَهُمَا عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ فَوَصَلُوهَا فِي أَوَّلِ صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ، فَفَرِحَ النَّبِيُّ بِقُدُومِهِمْ وَإِسْلاَمِهِمْ، قَالَ عَمْرٌو: لَمَّا جَعَلَ اللهُ الإِسْلامَ فِي قَلْبِي، أَتَيْتُ النَّبِيَّ فَقُلْتُ: ابْسُطْ يَمِينَكَ فَلأُبَايِعْكَ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ، فَقَبَضْتُ يَدِي، قَالَ: ((مَا لَكَ يَا عَمْرُو؟)) قُلْتُ: أَرَدْتُ أَنْ أَشْتَرِطَ، قَالَ: ((تَشْتَرِطُ بِمَاذَا؟)) قُلْتُ: أَنْ يُغْفَرَ لِي. قَالَ: ((أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ الإِسْلاَمَ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلِهَا، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ؟)). وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ، وَلاَ أَجَلَّ فِي عَيْنِي مِنْهُ، وَمَا كُنْتُ أُطِيقُ أَنْ أَمْلأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إِجْلاَلاً لَهُ، وَلَوْ سُئِلْتُ أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْتُ؛ لأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ، وَلَوْ مُتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَرَجَوْتُ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. [رواه الإمام أحمد ومسلم].
• وَبَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ عَمْرٌو ، أَمَّرَهُ النَّبِيُّ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلاَسِلِ، وَتَحْتَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرَ .
• قَالَ رَسُولُ اللهِ : ((ابْنَا العَاصِ مُؤْمِنَانِ، عَمْرٌو وَهِشَامٌ)) [رواه الإمام أحمد والحاكم]. وَقَالَ طَلْحَةُ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ يَقُولُ: ((إِنَّ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ مِنْ صَالِحِي قُرَيْشٍ؛ نِعْمَ أَهْلُ الْبَيْتِ عَبْدُاللهِ وَأَبُو عَبْدِاللهِ وَأُمُّ عَبْدِاللهِ)) [رواه الإمام أحمد، وروى الترمذي أوله]. وَقَالَ النَّبِيِّ : ((أَسْلَمَ النَّاسُ وَآمَنَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ)) [رواه الإمام أحمد والترمذي]. وَفَزِعَ أَهْلُ الْمَدِيْنَةِ فَخَرَجَ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَعَمْرُو بْنَ العَاصِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا، وَاحْتَبَيَا بِحَمَائِلِ سَيْفَيْهِمَا، فَقَالَ النَّبِيُّ : ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ، أَلاَ كَانَ مَفْزَعُكُمْ إِلَى اللهِ وَإِلَى رَسُولِهِ؟ أَلاَ فَعَلْتُمْ كَمَا فَعَلَ هَذَانِ الرَّجُلاَنِ الْمُؤْمِنَانِ)) [رواه الإمام أحمد]. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ : ((رَحِمَ اللهُ عَمْراً، رَحِمَ اللهُ عَمْراً، رَحِمَ اللهُ عَمْراً)) فَقَالُوا: مَنْ عَمْرٌو يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: ((عَمْرُو بْنُ العَاصِ. إِنِّي كُنْتُ إِذَا نَدَبْتُ النَّاسَ إِلَى الصَّدَقَةِ، فَجَاءَ بِالصَّدَقَةِ فَأَجْزَلَ، فَأَقُولُ لَهُ: مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا؟ فَيَقُولُ: مِنْ عِنْدِ اللهِ. وَصَدَقَ عَمْرٌو، إِنَّ لِعَمْرٍو خَيراً كَثِيراً)) [رواه الإمام أحمد والحاكم وصححه].
• قَالَ عَمْرٌو : مَا عَدَلَ بِي رَسُولُ اللهِ وَبِخَالِدِ بن الْوَلِيدِ أَحَداً مِنْ أَصْحَابِهِ فِي حَرْبِهِ مُنْذُ أَسْلَمْنَا. [رواه الطبراني في الكبير والأوسط]. وَأَخْرَجَ النَّبِيُّ شِقَّةَ خَمِيْصَةٍ سَوْدَاءَ فَعَقَدَهَا فِي رُمْحٍ، ثُمَّ هَزَّ الرَّايَةَ، فَقَالَ: ((مَنْ يَأْخُذُهَا بِحَقِّهَا؟)) فَهَابَهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَجْلِ الشَّرْطِ، فَقَامَ عَمْرٌو فقال: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا حَقُّهَا، فَأَنَا آخُذُهَا بِحَقِّهَا؟ فَقَالَ: ((لاَ تُقَاتِلْ بِهَا مُسْلِماً، وَلاَ تَفِرَّ بِهَا عَنْ كَافِرٍ)) فَأَخَذَهَا، فَمَا رَأَى النَّاسُ رَايَةً كَانَتْ أَكْسَرَ وَأَقْصَمَ لِظُهُورِ الرِّجَالِ مِنْهَا. [رواه ابن عساكر].
• وَعَنْ عَمْرٍو ، قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ : ((إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَكَ عَلَى جَيْشٍ فَيُسَلِّمَكَ اللهُ وَيُغْنِمَكَ، وَأَرْغَبُ لَكَ مِنْ الْمَالِ رَغْبَةً صَالِحَةً)) قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا أَسْلَمْتُ مِنْ أَجْلِ الْمَالِ، وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ رَغْبَةً فِي الإِسْلاَمِ، وَأَنْ أَكُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ، فَقَالَ: ((يَا عَمْرُو! نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ)) [رواه الإمام أحمد وابن حبان والحاكم وصححها].
• وَبَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ عَلَى البَحْرَينِ، وَمَرَّ بِمُسَيْلِمَةَ الكَذَّابِ، فَلَمَّا أَمَّنَهُ بِمُسَيْلِمَةُ، قَالَ لَهُ: أَمَا وَاللهِ إِنَّكَ لَكَاذِبٌ، وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ أَنَّكَ مِنَ الكَاذِبِينَ. فَتَوَعَّدَهُ مُسَيْلِمَةُ بِالقَتْلِ. [رواه ابن عساكر]. وَتُوُفِيَ رَسُولُ اللهِ وَعَمْرٌو عَامِلُهُ عَلَى عُمَانَ.
• وَبَعَثَهُ أَبُو بَكْرٍ مَعَ أُمَرَاءِ الأَجْنَادِ لِفَتْحِ الشَّامِ، فَأَبْلَى بَلاَءً حَسَناً حَيْثُ شَهِدَ اليَرمُوكَ، وَصَالَحَ أَهْلَ حَلَبٍ، وَأَنْطَاكِيةَ، وَافْتَتَحَ قَنْسَرِينَ عُنْوَةً، وَتَوَلَّى الأُردُنَ وَفِلَسْطِينَ بَعْدَ فَتْحِهِمَا، ثُمَّ سَارَ إِلَى مِصْرَ وَفَتَحَهَا، وَفَتَحَ لَيُونَ وَالإِسْكَنْدَرِيَّةَ، وَفَتَحَ طَرَابُلْسَ الغَربِ، ثُمَّ وَلاَّهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ مِصرَ، وَفِي زَمَنِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ عَادَ عَمْرٌو إِلَى مَكَّةَ، ثُمَّ وَلاَّهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مُعَاوِيَةُ مِصرَ مَرَّةً أُخْرَى، وَكَانَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ ثَلاَثٍ وَأَرْبَعِينَ وَقَدْ جَازَ التِّسْعِينَ سَنَةً.