إخواني في منتدى شؤون ، لكم كتبت هذه القصة التي تستمد أحداثها من صميم الواقع التربوي .
آمل أن تكون لامست قضية جوهرية في العلاقة بين المدرس والتلميذ .
كما أرجو من الله أن تنال إعجابكم ، وأن تحظى بردودكم مهما كانت وجهات نظركم .
نرجـــس تلميـــذة صغيـــرة فـــــي عمـــر الـــزهــــــور.
طفلـــة مرحـــــة ومحبوبــــة مــــن قبــــــل أهــــل الحي.
إنهـــــا وحيــــــدة أبويـهـا ،لـذلك فــهمـــا يتـعهـدانـهــــا
برعايــــــــــة خاصــــــــــــــــــة.
فـــي ذلك المساء ،حين خرجت نرجس مـــــن البيـــت ،
ومحفظتهـــــا الثقيلة عــــلى ظـــــــ،ـهرها ؛التفتت عنـــد
البـــــاب نحو أمهــــا وأخــذت تحرك يديهــــا مودعــــــة
إيــاهـا وابتسـامتهـــا الصافيــة تنــــم عــن براءة عجيبــة.
منظــــر اغرورقت لــــه عينــــا الأم عطفــا وحنانـــــــا .
رن الـــــجرس معلنــا عــودة الأطفـــال مــن استراحـــة
المســــاء. أخــذت المعلمــة تجــوب أرجــاء الحجــــــــرة
الدراسيــــــــة منتظرة عــــــــودة الهدوء إلى الفصــــــل .
فما زالت ضحكاتهــــم عاليــــة ، ووشوشاتهم لــــــــــــم
تنقطع بعـــــــد .أما بعضهم فظـــــل يمسح عرقـــه بأكمام
المـــــلابس ،من فرط الجـــري والنـــط في الساحــــــــــة.
أخرست ناديـــــة هـــذه الفوضـــــىبضربــــة قويــة عــلى
الطاولــــــة . فتجمعت الأيـــــدي الصغيـــــــرة، وأطبقــــت
الشفـــاه إطباقـــا ،وسـاد الصمت والسكــــــــــــــــــــون !
حينــــــها قررت المعلمة الحازمة مواصلـــــــــة الدرس .
لكــــــن نرجس ـــ الطفلة ذات النشــــــــــــــاط الزائد ـــ
تململت في مقعدهـــــــــــــا ، غير مباليـــــــــــــة بنظرات
معـــــلمتها الزاجــــــــرة . ثــــم ما لـــبثت أن نـــــــهضت
ترمـــــــــي وريقـــــة منكمشة فـــــي سلــــــة المهملات .
أحست المعلمـــــــة بالدمـــــــاء تغلي فــــــــــــي عروقها.
فقررت علــــــى الــفور أن تعاقب هــــــذه الطفلــــــــــــة
المشاغبـــــة ! لــــــــذلك رأت أن أحسن مــــــا تفعلــــــــه
هــــــــو أن تواريهـــــــا عــــن الأنظارحتـــى يتـم الدرس
بســـــــــــــــــــــــلام .
فتحت المعلمـــــــة بــــاب خزانتهـــا، وأمــرت نـــــــرجس
بالـــدخول . فاستسلمت الطفلــــة خائفــــة ! أمــــا الأطفال
فنــــدت عنهـــم ضحكـــة وكأنهــــم يستمتعون بلعبــــــــة
القـــــط والفـــأر. ثم أغلقت البـــاب خلفهـــا بالمفتــــــــاح .
مضت الحصـــــة الأولــــى ثم الثانية . وعادت الأجـــواء
إلـــى طبيعتها . وشارك التلامـــيذ فـــــــــي درس ناديــــة
بحمــــــــاس وبراءة ...
وفــــــي تمــــام السادسة دق الجرس ،وهبَّ الأطفـــــــــال
مـــــن مقاعدهم فـــــــي صخبهم العادي ، ثــــــــم انطلـــق
الجميـــــع نحو البـــــاب لا يلوون علــــــى شـــــــــــــــيء !
أما ناديـــــــــة ،التي أخــــــــذ منهــــــا التعب ، فـقد لملمت
أغراضهـــــــا فـــي محفظتها ثــم أوصدت الباب ناســــــية
نرجــــس التي ســـاد صمتهــــــا .
لـــــم تنتبه أم نرجــــــــس لتأخـــــر ابنتها إلا حـــــين دقت
السابعــــــــــة مساء ! حينهــــا قفزت الأم مذعــــــــــــورة
وخرجت تبــحث عــــن ابنتهـــا التــي تأخـــرت علـــــــــــى
غير عادتهـــــــــــــــا .
كـــان باب المدرســـــة مقفولا ، ولا أثــــر لتلميذ هنــــــــاك .
ــــ ربــــــــــــاه ! أين أنت يا فلـــذة كبدي ؟ أتكون قـــــــــد
تــاهت ، أو أن واحدا من لصوص الأطفـــــال قد اختطفها !؟
هواجــــس كثيرة تضـــاربت في رأس الأم المسكينــــــــــة !
لكن لا محطـــــة ترسو عليها أسئلتهــــــا المحيـــــــــــرة !
عـــــادت إلـــى البيت مهرولـــــــــة كالمجنونة ! طـــــرقت
أبـــواب الجيران الذين تشــك في أن نرجــــــس قد تـــكون
دخلت عنــــدهم بدعــــــوة من إحدى بناتهم . لــــكن بدون
جـــدوى . عاد الأب من عمله .وانضم الــــجيران إلـــــــــى
البحث الذي استـــمر إلى ساعـــة متأخرة من اللـــــيل .
هاتفت الأســـــرة الشرطة ، ووعدت بمتابعة التحريـات...
فــــي الصباح ، وبعد ليلة طويلــــة مرعبة باردة كالصقيع
دخل تلاميذ نادية إلى حجــــرة الدرس . وفتحت المعلمـــة
الخزانـــــة . يا لهول الصدمــــــــــــــــــة !
نرجس الطفــلة الصغيرة منكمشة على ركبتيها . تمامـــــا
كالورقة التي رمتها فـــــــي القمامــة .. يابسة كالـــعود ..
باردة جامــدة كقطعة من الجليد ! لا حركة ولا أنين ..
لقــــــــد فارقت الحياة ، او أن الحياة هي التي فارقتهــــا
وبشــكل مأســــــــــــــــــاوي ...
لقد كانت فاجعة كبيرة ..نزل خبرهــــــــــا علــــــى أم نرجس
كالصاعقة ! غابت علــــــــــــــى إثره ،وكادت تلتحق بابنتها
لـــــــــــــــــولا لطـــــــف الله !
أما نادية المعلمـــــــة البئيسة ،فما زالت بين القضبــــــــــان ،
تقضي عقوبة حبسيــــــــــة طويلة ،ربمــــــا لن تنسيها منظر
نرجــــــس وهـــي جثة هامـــــــــــــــــدة .
مأسـاة كان مــن الممكن تفاذيهـــا بقليل مــن الحلــم والصبـر.
نهاية
شهاب الحمادي