"كفالة الحقوق والحريات"
هذا المبدأ فرع هام لأصل عظيم وثابت في الشريعة الإسلامية، فالحقوق والحريات إنما كفلتها شريعة الإسلام، فهي إذن تستمد قيمتها من قيمة المصدر الذي تستقي منه وهو الشريعة الإسلامية، فهي تستند إلى الشرع مباشرة وتستمد قوتها من قوته وخلودها من خلوده، وقدسيتها من قدسيته، فلا يملك أحد المساس بهذه الحقوق أو النيل منها مهما أوتي من قوة إلا إذا نال من شريعة الإسلام نفسها فسلبها قوتها ونحاها عن الواقع العملي، فخرج بذلك عن نطاق المشروعية.
من حقوق الأفراد في الإسلام
1- المساواة:
لقد قررت الشريعة الإسلامية المساواة بين بني البشر في أرقى صورها، فلم تعترف الشريعة بفروق مصطنعة تقوم على أساس من جنس أو لون أو لغة، فالناس جميعا سواء في أصل الخلقة (يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء) {النساء:1}.
فالبشر جميعًا يرجعون إلى أصل واحد، خلقهم الله سبحانه من نفس واحدة آدم عليه السلام وخلق منها زوجها، وبث منهما رجالا كثيرًا ونساء، كان بهم إعمار الكون، فكيف يتمايز بعضهم على بعض على أسس واهية ما أنزل الله بها من سلطان.
2-المساواة أمام القانون
لعل من أروع صور المساواة وأبرزها في الإسلام ما جاءت به الشريعة الخالدة من جعل الناس جميعا سواسية أمام قانونها، فتعاليم الإسلام يخضع لها الجميع دون تفرقة.
لقد قرر القرآن الكريم هذه المساواة التامة في كثير من آياته، وقررها النبي صلى الله عليه وسلم في كثير من أحاديثه، فالناس جميعا متساوون في الحقوق والواجبات دون تفرقة بينهم لأجل اللون أو النسب أو الغنى والفقر، وفي ذلك تروي أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها أن قريشا أهمتهم المرأة المخزومية التي سرقت فقالوا: من يكلم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومن يجترئ على ذلك إلا أسامة حب رسول الله #؟ فكلم أسامةُ رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها، فقال: أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فخطب فقال: "يا أيها الناس، إنما ضل من كان قبلكم أنهم كانوا إذا سرق الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف فيهم أقاموا عليه الحد. وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطع محمد يدها"،
3- المساواة أمام القضاء:-
وهذا مظهر آخر من مظاهر المساواة التي لم تعرفها كثير من التشريعات حتى اليوم، فجميع المواطنين أمام القضاء في الدولة الإسلامية سواء. وقد جرى العمل في الشريعة علي محاكمة الخلفاء والملوك والولاة أمام القضاء.
فهذا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه يفقد درعا له في مسيره لصفين، ثم يجدها بعد ذلك في يد يهودي، فقال لليهودي: الدرع درعي ولم أَبِعْ ولم أَهَبْ، فقال اليهودي: درعي وفي يدي، فقال علي: نصير إلى القاضي شريح، فقال شريح: قل يا أمير المؤمنين، فقال علي: نعم هذا الدرع التي في يد هذا اليهودي درعي لم أبِعْ ولم أهَبْ، فقال شريح: ما قولك يا يهودي؟ فقال: درعي وفي يدي، فقال شريح لعلي: ألك بينة يا أمير المؤمنين؟ قال علي: نعم قُنْبرُ والحسن يشهدان أن الدرع درعي، فقال شريح: شهادة الابن لا تجوز للأب، فقال علي: رجل من أهل الجنة لا تجوز شهادته؟! فقال اليهودي: أمير المؤمنين قدمني إلى قاضيه، وقاضيه قضى عليه، أشهد أن هذا هو الحق؛ وأشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، وأن الدرع درعك يا أمير المؤمنين. {ذكر هذه القصة السيوطي بسند مجهول، وذكرها ابن كثير في البداية ج8 ص5 وفيها الرجل كان نصرانيا}.
4- المساواة بين الرجل والمرأة
في التكليف والثواب
لم تعرف البشرية نظاما أعطى المرأة حقها وأنصفها مثل الإسلام، فالإسلام يهتم بها كأم وزوجة، وأخت وابنة. فقد حرص عليها وحماها وسما بها إلى إنسابيتها فقد كانت في الجاهلية قبل الإسلام تعد من سقط المتاع.
والذين يطغون في موقف الإسلام من المرأة إنما يطغون في أهم مميزات النظام الإسلامي، وهي الحرص على المرأة وصيانتها، فالإسلام يسوي بين الرجل والمرأة في كل شيء إلا فيما اختلفت فيه طبيعة المرأة عن طبيعة الرجل.
الرجل والمرأة سواء في أصل الإنسانية: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى..) والمرأة مكلفة بأركان الإيمان وأركان الإسلام، وبأحكام الشرع إلا ما استثناه الشرع وهي مكلفة بكل ما في الإسلام من أخلاق وآداب مثلها في ذلك مثل الرجل.
والنظام الإسلامي يجعل للمرأة وظيفتها وللرجل وظيفته، ووظيفة المرأة الرئيسية داخل بيتها في القيام على شئون زوجها وأولادها، بينما يقوم الرجل بالإنفاق على المرأة، زوجةً كانت أو أما أو بنتا أو أختا، والإسلام يجعل رئاسة الأسرة للرجل (الرجال قوامون على النساء بما فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم)، فللرجل اختصاصات لا تشاركه فيها المرأة، وللمرأة اختصاصات لا يشاركها فيها الرجل ولا يصلح لها ولا يحسن القيام بها، فمحاولة أحد الطرفين التعرض والتدخل في اختصاصات الطرف الآخر يعرض الأسرة للارتباك والاضطراب ويسلمها للفوضى.
قسّام صقر